السيد هادي الخسروشاهي
58
عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال
يقول الأستاذ حفني : « مضى ثلاثة عشر قرناً من حياة التاريخ الإسلامي كان ( أنصاف العلماء ) خلالها يصدرون أحكامهم على الشيعة ، مشبوبة بعواطفهم وأهوائهم ، وكان هذا المنهج السقيم سبباً في إحداث هذه الفجوة الواسعة بين الفرق الإسلامية ، ومن ثم خسر العالم الشيء الكثير من معارف أعلام هذه الفرق ، كما خسر الكثير من فرائد آرائهم وثمار قرائحهم . وكانت خسارة العلم أعظم فيما يمسّ الشيعة والتشيّع ، بسبب ما رماهم به مبغضوهم من نحل وترهات وخرافات ، هم في الحقيقة براءمنها ، ولو أنّ هؤلاء ( الأنصاف ) ترفّعوا بأنفسهم عن التعصّب ، وطبّقوا - وهم يكتبون عنهم ، أو يأخذون منهم - مناهج البحث العلمي الصحيح ، وآثروا حكم العقل على حكم القلب ، وقدّموا الرأي على الهوى ، لجاءنا علم كثير عن الشيعة ، ولانتفعنا بالكثير من تراث هذا المذهب . إنّ الباحث المنصف للحقائق العلمية ، يأخذ عن مذهب الشيعة بقدر ما يأخذ عن غيرها من المذاهب الإسلامية الأخرى ، وهو مضطرّ - إن كان منصفاً - إلى دراسة فقه الشيعة حين يدرس المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنّة ، ناهيك أنّ الإمام جعفر الصادق المتوفّى سنة 148 ه - وهو رافع لواء الفقه الشيعي - كان أستاذاً للإمامين السنّيين : أبي حنيفة النعمان بن ثابت المتوفّى سنة 150 ه ، وأبي عبداللَّه مالك بن أنس المتوفّى سنة 179 ه . وفي ذلك يقول أبو حنيفة مقرّاً بالأستاذية وفضل السبق : ( لولا السنتان لهلك النعمان ) يقصد السنتين اللتين اغترف فيهما من علم جعفر بن محمد . ويقول مالك بن أنس : ( ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ) . لقد كانت الطامّة أعظم حين خرج على الناس بعض المحدّثين الذين ينتحلون لأنفسهم سمة العلوم ، ويأتزرون بإزار المعرفة ، وليتهم تواضعوا ، وتنزّهوا عن رفع أنفسهم فوق قدرها لمّا أعلنوا الثورة على الفرق الإسلامية وأفردوا الشيعة بأعظم